العودة للخلف

4) قاعدة المشقة تجلب التيسير

تاريخ النشر: 21 / 09 / 2026
: 3

قاعدة : المشقة تجلب التيسير

قال الناظم رحمه الله:

15- وَمِنْ قَوَاعِدِ الشَّـريْعَةِ التَّيْسِيْرُ



 

فِي كُلِّ أَمْرٍ نَابَهُ تَعْسِيْرُ


اشتمل هذا البيت على القاعدة الفقهية الكبرى: (المشقة تجلبُ التيسير).

* ألفاظ البيت:

ومن قواعد: فيه كسر، وفي نسخة: (قاعدةُ الشريعة ...)، وأصلحه بعضهم فقال: (والشرعُ من أصوله ...).

الشريعة: اسم ينتظم تحته كل ما شرعه الله من العقائد والأعمال.

التيسير: مِن يسَّر الأمرَ عليه تيسيرًا: إذا سهَّلهُ وخفَّفه. والاسم: اليُسْر والميسَرَة. وهو: خلاف العُسْر، قال تعالى: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}. ويرادفه: التخفيف والترخيص

أمر: الأمر هنا الشأن. أي حكم من الأحكام الشرعية كالطهارة والصلاة والصوم. وجملة الأبواب التي يدخلها التيسير سبعة ستأتي.

نابه: أي أصابه، ونزل به، ولَحِقه. فالحكم نفسه يسير وخفيف على المكلف كالتطهر بالماء، لكن إذا لحق المكلف مشقة وعُسر لسبب ما من مرض ونحوه فإن الشريعة تأتي بتخفيف آخر كنقله إلى الطهارة بالتيمم. وفيه هذا إشارة إلى أسباب التيسير، وستأتي. وهذا اللفظ من الناظم يفيد أنَّ المقصود في النظم -بالأصالة- التيسير الشرعي عند حصول سببه، وهو أحد قسمي التيسير في الشرع كما يأتي.

تعسير: أي مشقة وشدة وصعوبة تلحق المكلف. وهو أنواع ستأتي.

قوله (في كل) سيأتي أنَّ المشقةَ أنواع. وأنَّ للتخفيف أسبابًا، وأنَّ التيسير منوط بالشرع لا بالتشهي.

* التيسير في الشريعة على قسمين:

الأول: تيسير مطلق عام في أصل التشريع، يشمل جميع التكاليف، بمعنى أنَّ جميع أحكامه ملحوظ فيها طاقة المكلَّفين وقدراتهم ووُسْعهم. فليس في الشرع ما لا يقدر عليه العبد ولا يطيقه.

الثاني: تيسير طارئ عند حصول سببه. وهو المقصود بالقاعدة.

* معنى القاعدة:

أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى وضعَ الشريعة سمحة ميسَّرة فكلّ الأوامر والنواهي والشريعات لوحظ فيها طاقات العباد وقدراتهم ولم يجعل عليهم في ما شرع لهم من حرج، وإذا حصَل على المكلف في تكليف من التكاليف الشرعية مشقة فإنَّ الله تعالى من رحمته وتيسيره يخفِّف عنه ويرخِّص له بما يناسب حاله بحيث يتمكن من العمل والعبادة إما بتخفيف المكلَّف به عددًا أو صفة كما في صلاة المسافر، أو يبدله بأيسر منه كما في التيمم، أو يسقطه عنه بالكلية، ونحو ذلك.

* أدلة القاعدة:

قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} [النساء: 28]، وقوله: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وقوله: {وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286] قال الله: «قد فعلت». وقوله تعالى -بعد التكليف-: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6]. وقوله: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} الأنفال: 66

وفي البخاري عن أبي هريرة أن النبي قال: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إلَّا غَلَبَهُ»، وفي البخاري عن أبي هريرة أيضًا أن النبي قال: «إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ»، وفي المُسند وغيره عن أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنَّ النبيَّ قال: «إني أُرسلْت بحنيفيَّة سَمْحَة».

قال الناظم: «قوله : «إنَّ الدِّين يُسر» أي: ميسَّر مسهَّل في عقائده وأخلاقه وأعماله، وفي أفعاله وتروكه، كلها ميسَّرة مسهَّلة ، كل مكلَّف يرى نفسه قادرًا عليها، لا تشقُّ عليه، ولا تكلّفه، عقائده صحيحة بسيطة، تقبلها العقول السليمة، والفطر المستقيمة، وفرائضه أسهل شيء ومع ذلك إذا عرَض للعبد عارض من مرض أو سفر أو غيرهما، رتَّب على ذلك من التخفيفات، وسقوط بعض الواجبات، أو صفاتها وهيئتها، ما هو معروف». انتهى بتصرف من «البهجة».

* الأبواب التي يدخلها التيسير:

ترجع الرخص والتيسيرات في الشريعة إلى الأبواب التالية: العبادات. والمعاملات ومنه: المناكحات. والظهار والأيمان. والتيسير على  الأرقَّاء. والتخفيف في القِصَاص. والتيسير على المجتهدين.

* أنواع التيسير في الشريعة:

أنواع التخفيف سبعة وهي -إجمالًا- كما يلي:

الأول: تخفيف الإسقاط: كالعبادات التي تسقط عند وجود العذر، ويدخل فيه إسقاط الإثم عن النَّاسي والمخطئ.

الثاني: تخفيف التنقيص: كقصر الصَّلاة الرُّباعية في السفر.

الثالث: تخفيف الإبدال: كإبدال الوضوء والغسل بالتيمم، وإبدال القيام في الصلاة بالقعود.

الرابع: تخفيف التقديم: كجمع الصلاتين وتقديم الكفارة على الحنث، وتقديم زكاة الفطر من رمضان بيوم أو يومين.

الخامس: تخفيف التأخير: كتأخير الصلاتين المجموعتين، وتأخير صوم رمضان للمريض والمسافر إلى عدة من أيام أخر.

السادس: تخفيف الترخيص كذا عبَّر عنه قوم، وعبَّر آخرون بـ: تخفيف الاضطرار. كصلاة المتيمم مع الحدَث، والأكل من الميتة خشية الموت جوعًا.

السابع: تخفيف التغيير، كتغيير نظم الصلاة في الخوف.

* أسباب التيسير في الشريعة:

من العلماء من حصرها في سبعة أبواب كما يلي: (السفر، المرض، الإكراه، النسيان، الجهل، العسر وعموم البلوى، النقص).

ومنهم من عددها، فذكروا ما يلي: السفر، والمرض، والإكراه، وكبر السن، وإرادة على النكاح، والاضطرار، والنسيان، والسهو، والجهل ببعض الأحكام، وعموم البلوى، والخطأ، والخوف، والضرورة، والحاجة، والحيض، والنفاس، والمطر، والريح الباردة الشديدة، والليلة المظلمة، ونزول الثلج، والفاقة التي يشهد بها أهل الحِجا، وغير ذلك.

وطريقة الحصر: أن يُنظر في كل مسألة ورد فيها التخفيف على المكلف بدليل من الشرع، فيُعدّ من جملة الأسباب. ويمكن إرجاع بعضها إلى بعض.

* العُسر والمشقة أنواع:

وليس كلّ نوع منها مُوجب للترخيص. ويمكن تقسيمها إلى أربعة أنواع:

الأول: مشقة لا تنفك عن العبادة، فلا عبرة بها، كمشقة التطهر بالماء البارد أو في الليلة الباردة، ومشقة الصوم، ومشقة صلاة الفجر في الجماعة، والمشقة التي تلحق الحاج، والمشقة في رجم الزاني المحصن، ومشقة الجهاد في سبيل الله. وهذه في الحقيقة لا تسمى مشقة لأنه لابد للعبد من بذل جهد للعبادة فهي مشقة معتادة كالمشقة في طلب المعاش بالحِرَف والصنائع فإنَّها مشقة لا تقطع عن الاستمرار، وأهل العقول يعدّون التارك لذلك من المذمومين الكُسالى.

الثاني: مشقة عظيمة فادحة، في المرتبة العليا، كمشقة الخوف على النفس والأطراف والعرض والمال ونحوه فهذه مشقة موجبة للتخفيف والترخيص.

الثاني: مشقة خفيفة في المرتبة الدنيا، زائدة عن المشقة المعتادة للعمل كأدنى وجع في إصبع، أو حمّى، أو أدنى صداع أو سوء مزاج خفيف، فهذا النوع لا أثر له، ولا التفات إليه لأن تحصيل مصالح العبادة أولى من دفع مثل هذه المشقة اليسيرة.

الثالث: مشاقّ متوسّطة واقعة بين النوعين السابقين فما دنا من المشقّة العليا أوجب التخفيف، وما دنا من المشقّة الدنيا لم يوجب التخفيف.

* التيسير منوط بالشرع:

فما نص الشَّارع على اعتباره سببًا للتخفيف والتيسير عُمل به في محلّه.

بل ما نصَّ الشَّارع على اعتباره سببا للتخفيف يُعمل به ولو لم تتحقَّق المشقة في الواقع لتغير الحال مثلًا، فلا يقال السَّفر الآن على المركب الفَارِه، والطائرة، لا مشقَّة فيه فلا يترخَّص لزوال المشقة!.

وما لم يعتبره الشَّرع سببًا لذلك فلا يصح الترخُّص به مطلقًا، لا سيما إذا صادم التخفيف والتيسير المزعوم نصًّا من الشَّرع فإنَّ التيسير يكون حينئذ ملغيًّا، وفي الحقيقة هو تعسير، وليس بتيسير، إذ التيسير في العمل بالشَّرع المبعوث به البشير النذير.

* من مسائل وتطبيقات القاعدة:

- التيمم عند عدم الماء أو المشقة باستعماله.

- قصر الصلاة صفةً وعددًا عند سببه.

- صحة البيع مع يسير الغرر.

- جواز العرايا للمحتاج، وهي: الرطب على رؤوس النخل بقدر كيله من التمر خرصًا.

- التخفيف عمن هو في حاجة المسلمين ويشق عليه الرمي كل يوم أن يجمع رمْي يومين.

- التخفيف في المبيت بمنى عند سببه كما رخّص النبي للعباس.

- التخلُّف عن صلاة الجماعة عند عُذر من الأعذار، وهي متعدِّدة معلومة.

 

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم النسخ بنجاح